محمد بن محمد ابو شهبة

407

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

ليلة حتى اشتد بهم الحال ، وأيقنوا أن رسول اللّه غير منصرف عنهم حتى يناجزهم ، فقال لهم كعب بن أسد : أرى أن تسلموا فقد استبان لكم أنه نبي مرسل ، وأنه الذي بشر به كتابكم ؛ فتأمنوا على دمائكم ونسائكم وأبنائكم وأموالكم ، فأبوا ، فقال لهم فلنقتل أبناءنا ونساءنا ونخرج إلى محمد مستميتين في القتال حتى يحكم اللّه بيننا وبينه ، فإن نهلك لم نترك وراءنا شيئا نخشى عليه ، وإن نغلب فلن نعدم النساء والأبناء ، فأبوا ، فقال : الليلة ليلة السبت ، وعسى أن يكون محمد وأصحابه أمنونا فيها ، فانزلوا لعلنا نصيب منهم غرّة ، فأبوا وتخوفوا أن يعدوا في السبت فيصيبهم ما أصاب من قبلهم ، فأعرض عنهم ورماهم بعدم الحزم . استشارتهم أبا لبابة فبعثوا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أن أرسل إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر أخا بني عمرو بن عوف - وكانوا حلفاء الأوس - نستشيره في أمرنا ، فأرسله الرسول إليهم ، فلما رأوه قام إليه الرجال وجهش إليه النساء ، وبكى الصبيان ، فكأنه رقّ لهم ، فقالوا : يا أبا لبابة أترى أن ننزل على حكم محمد ؟ قال : نعم ، وأشار بيده إلى حلقه ، يعني الذبح ، فاستشعر أبو لبابة أنه زل ، وندم ندما تصوره هذه العبارة التي قالها : فو اللّه ما زالت قدماي من مكانهما حتى عرفت أني قد خنت اللّه ورسوله ! ! . توبة أبي لبابة فاستحيا أبو لبابة أن يقابل رسول اللّه وقال : واللّه لا أنظر في وجه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى أحدث للّه توبة نصوحا يعلمها اللّه من نفسي ، وعاد إلى المدينة فربط نفسه إلى سارية من سواري المسجد النبوي - وكانت من جذوع النخل - وقال : لا أبرح مكاني حتى يتوب اللّه على ما صنعت ، فلما علم الرسول الكريم قال : « لو جاءني لاستغفرت له ، وإذ قد فعل هذا فلن أطلقه حتى يقضي اللّه فيه ما يشاء » . وأقام على هذه الحال ست ليال أو أكثر تأتيه امرأته في وقت كل صلاة